You are currently viewing التحديات التي تواجه الهيئة العليا للرقابة الشرعية في السودان: دراسة تحليلية شرعية – اقتصادية الطيب صلاح الطيب – UIN Sunan Ampel Surabaya

التحديات التي تواجه الهيئة العليا للرقابة الشرعية في السودان: دراسة تحليلية شرعية – اقتصادية الطيب صلاح الطيب – UIN Sunan Ampel Surabaya

التحديات التي تواجه الهيئة العليا للرقابة الشرعية في السودان: دراسة تحليلية شرعية – اقتصادية

الطيب صلاح الطيب – إندونيسيا

ELTAYEB SALAH ELTAYEB ABDELMAGID

 UIN Sunan Ampel Surabaya

الملخص:

تستعرض هذه الدراسة تجربة السودان في الرقابة الشرعية المصرفية عبر الهيئة العليا للرقابة الشرعية، التي أسست لإلزامية الفتوى داخل النظام المالي الإسلامي. ورغم هذا التطور التشريعي، يكشف التحليل عن فجوة بين النصوص والتطبيق العملي نتيجة غياب آليات جزائية واضحة، وتعدد المرجعيات الشرعية داخل البنوك، وضغط المتغيرات الاقتصادية والتقنية. وتخلص الدراسة إلى أن تعزيز فعالية الرقابة الشرعية يتطلب استقلالاً مؤسسياً أكبر، وتطوير الأطر القانونية، ومواكبة التحول الرقمي بما يضمن انضباط السوق وثقة المتعاملين واستدامة الصيرفة الإسلامية.

الكلمات المفتاحية:

الرقابة الشرعية – الهيئة العليا – الإلزامية القانونية – تضارب المرجعيات – التحول الرقمي.

المقدمة:

تعود جذور الرقابة الشرعية المؤسسية في السودان إلى بدايات تجربة أسلمة الجهاز المصرفي في ثمانينيات القرن العشرين، حين أصدر بنك السودان منشوراً في سنة 1984 يقضي بإلغاء التعامل بالأدوات الربوية وإلزام البنوك بصيغ تمويل شرعية كالمرابحة والمشاركة وغيرها من صيغ المعاملات الإسلامية. وقد شكل هذا المنشور نقطة تحوّل، إذ نقل المرجعية العملية للنظام المصرفي من الفائدة إلى الصيغ الإسلامية، لكنه بقي في إطاره منشوراً تنفيذياً صادراً عن البنك المركزي، لا تشريعًا برلمانيًا يُنشئ منظومة رقابية متكاملة.

مع صدور قانون تنظيم العمل المصرفي لسنة 1991، أخذت التجربة بُعداً مؤسسياً أوضح؛ حيث نص القانون على إنشاء هيئة عليا للرقابة الشرعية للإشراف على التزام المؤسسات المصرفية بالضوابط الإسلامية ثم جاء قانون الهيئة العليا للرقابة الشرعية لسنة 1993 ليمنح الهيئة الشخصية الاعتبارية ويُحدد اختصاصاتها، وينص على إلزامية قراراتها وفتاواها للبنوك والبنك المركزي بذلك قدم السودان نموذجاً مبكراً منح للفتوى الشرعية قوة قانونية ملزمة، بخلاف كثير من التجارب التي بقيت فيها لجان الرقابة الشرعية ذات صفة استشارية لا تنفيذية غير أنّ هذا التقدّم القانوني لم ينعكس دائماً في صورة ممارسة رقابية منسجمة وقوية على أرض الواقع. فمن الناحية العملية، ظلّت الهيئة العليا تابعة لبنك السودان من حيث الميزانية وآليات تنفيذ قراراتها، وتعتمد عليه في تحويل الفتاوى إلى منشورات تنظيمية ملزمة للبنوك. وأدّى ذلك إلى فجوةٍ بين قوة النصوص من جهة، وآليات النفاذ من جهة أخرى. وقد ظهرت هذه الفجوة في حالات تأخر فيها تحويل قرارات الهيئة إلى تعميمات، فطرحت بعض البنوك منتجات مرابحة أو صيغ تمويل أصغر في السوق قبل اكتمال الإجازة الشرعية النهائية أو صدور المنشور المنظِّم من البنك المركزي كما نشأت طبقة أخرى من التعقيد مع نشوء الهيئات الشرعية الداخلية في البنوك؛ إذ أصبحت هذه الهيئات تصدر فتاوى داخلية قد تكون أقلّ تشدداً من قرارات الهيئة العليا، كما في مسألة ضمان الطرف الثالث في المرابحة أو بعض صور الإجارة المنتهية بالتمليك، حيث تشددت الهيئة العليا في تضييقها، في حين أجازتها بعض الهيئات الداخلية على نطاق أوسع. هذا التعدد في المرجعيات يطرح سؤالاً حول مدى وحدة النظام الرقابي، ومدى قدرة الهيئة العليا على فرض رؤيتها الشرعية في ظل غياب نصوص تفصيلية تحسم التراتبية بين الفتاوى المركزية والفتاوى الداخلية وتتضاعف هذه الإشكالات في ظل بيئة اقتصادية مضطربة شهدت معدلات تضخم مرتفعة، وتقلبات حادة في سعر الصرف، وانتشاراً للاقتصاد الموازي خارج الجهاز المصرفي الرسمي وقد دفع ذلك كثيراً من البنوك الإسلامية إلى التركيز على صيغ قصيرة الأجل كالمرابحة، التي تجاوزت في بعض الفترات 60% من حجم التمويل المصرفي، على حساب صيغ المشاركة والمضاربة والتمويل طويل الأجل، مع تزايد النزاعات حول الغبن وعدم عدالة التسعير كما في قضية «إزالة الغبن» في عقود أحد البنوك الإسلامية في منتصف التسعينيات.

وفي هذا الإطار تتناول المقالة المختصرة هذه التحديات بصورة تحليلية تطبيقية تستند إلى وثائق رسمية وتقارير رقابية ومقابلات مهنية وتتجلى أهمية مثل هذه الدراسة في أن تحليل التحديات التي تواجه الهيئة لا يمسّ الجانب الرقابي فحسب، بل يرتبط مباشرة باستدامة الصيرفة الإسلامية وسمعتها وقدرتها على تقديم منتج تنافسي شرعي واقتصادي في آن واحد.

المناقشة والتحليل:

يُظهر تتبع التجربة السودانية أن التحديات التي تواجه الهيئة العليا للرقابة الشرعية ليست قانونية أو تقنية أو اقتصادية فقط، بل هي شبكة من العوامل المتداخلة التي تُضعف فاعلية الرقابة وتفتح الباب لتفاوت كبير بين المستوى النظري للالتزام الشرعي ومستواه التطبيقي. ويمكن ملاحظة ذلك من خلال تحليل أربعة محاور مترابطة: الإطار القانوني والإلزامية، تضارب المرجعيات، ضغط البيئة الاقتصادية، والتحوّل التقني والقدرات المؤسسية.

أولًا: من حيث الإطار القانوني والإلزامية، ينص قانون 1993 على إلزامية قرارات الهيئة العليا للبنوك والبنك المركزي، لكنه لا يحدّد عقوبات واضحة في حال مخالفتها؛ فلا نجد في النصوص ما يبيّن أنواع الجزاءات المالية أو الإدارية التي يمكن أن تُوقَّع على بنك يتجاهل فتوى أو قراراً صادراً عن الهيئة. هذا الفراغ التشريعي جعل الإلزامية في كثير من الحالات «نظرية»، تعتمد في واقع الأمر على استعداد البنك المركزي لتحويل الفتوى إلى منشور تنظيمي، أكثر من اعتمادها على سلطة مباشرة للهيئة نفسها. في حالات عمليّة، استمرّت بعض البنوك في تطبيق صيغ مرابحة تتسم بدرجة عالية من الصورية رغم انتقادات الهيئة العليا، مستفيدة من غياب آلية عقابية خاصة بالهيئة، ومن كون التقارير الرقابية ترد متأخرة أو بصيغة وصفية لا جزائية. ويظهر أثر ذلك بوضوح في استمرار ظاهرة «المرابحة الصورية»، أي العقود التي لا يتحقق فيها تملّك حقيقي للسلعة قبل بيعها للعميل، رغم تشديد «المراشد الفقهية» على وجوب تحقق هذا التملّك.

ثانياً: فيما يتعلق بـ تعدّد المرجعيات الشرعية وتضارب الفتاوى، أوجد وجود هيئات شرعية داخلية في كل بنك، إلى جانب الهيئة العليا، حالة من التداخل والتضارب في بعض القضايا؛ فبينما تُصدر الهيئة العليا قرارات مُلزمة على مستوى الدولة، تُصدر بعض الهيئات الداخلية آراءً أقل تشددًا، ما يؤدي إلى اختلاف التطبيق بين بنك وآخر. يتجلى ذلك مثلًا في قضية ضمان الطرف الثالث في المرابحة؛ إذ قررت الهيئة العليا تقييد هذا النوع من الضمان بشروط محدودة، في حين أجازت بعض الهيئات الداخلية ضماناً أوسع، الأمر الذي سمح للبنك بالاستمرار في العمل بصيغ لا تعكس بدقة ما انتهت إليه الهيئة العليا. مثال آخر هو مسألة الإجارة المنتهية بالتمليك؛ حيث شدّدت الهيئة العليا على ضرورة الفصل بين عقد الإجارة وعقد التمليك النهائي، بينما اعتمدت بعض البنوك صيغاً لا تُظهر هذا الفصل بوضوح في العقود الموقعة مع العملاء. ومع غياب نص قانوني يحسم تراتبية القرارات ويُبطل تلقائياً ما يخالف فتوى الهيئة العليا، أصبح المجال مفتوحاً لتباين الممارسات، وإضعاف المرجعية المركزية، وخلق انطباع لدى بعض البنوك بأن قرارات الهيئة «قابلة للتأويل» ريثما تُترجَم إلى منشور من البنك المركزي ويزداد أثر هذا التعدّد عندما تنتقل النزاعات إلى القضاء؛ إذ لم يكن الجسم القضائي، في كثير من الحالات، مهيّأً للتعامل الطليق مع خصوصيات المعاملات الإسلامية، ما أدى إلى بطء في حسم بعض قضايا السلم والمرابحة، وإلى تعامل بعض المحاكم التجارية مع قرارات الهيئة باعتبارها وثائق استرشادية أكثر من كونها مصادر ملزمة للحكم. هذه الوضعية أضعفت «نفاذ» الرقابة الشرعية قضائياً؛ فحتى مع وجود قرار شرعي واضح، قد يستغرق تحويله إلى أثر قانوني نافذ سنوات من النزاع والإجراءات.

ثالثاً: من حيث ضغط البيئة الاقتصادية، تكشف التقارير المصرفية أن التضخم المرتفع وتقلبات الأسعار، إضافة إلى اضطراب سعر الصرف، أثّرت بشكل مباشر في سلوك البنوك الإسلامية. فقد دفع الخوف من تآكل قيمة العوائد كثيرًا من البنوك إلى رفع هوامش الربح في عقود المرابحة، بل والاقتصار بشكل شبه كلي على هذه الصيغة، حتى تجاوزت المرابحة نسبة 60% من التمويل المصرفي في بعض السنوات، مقابل تراجع ملحوظ لصيغ المشاركة والمضاربة. وقد اضطرت الهيئة العليا في مواقف محددة إلى إصدار توجيهات تتعلق بعدالة التسعير وإزالة الغبن، كما في قضية «إزالة الغبن» التي تعلقت بعقود أحد البنوك الإسلامية؛ حيث طالبت الهيئة بتعديل بعض الشروط حمايةً لحقوق العملاء، بينما احتجّ البنك بصعوبة التنفيذ في ظل تقلب الأسعار، وانتهى الأمر بتسوية عبر وساطة البنك المركزي لا عبر آلية جزائية خاصة بالهيئة. وفي ملف التمويل بالعملات الأجنبية، أصدرت الهيئة فتوى تحذّر من بعض أشكال التمويل عالي المخاطر بسبب تقلبات سعر الصرف، لكن تأخر تحويل هذه الفتوى إلى منشور تنفيذي أتاح استمرار بعض المعاملات لفترة من الزمن قبل وقفها، ما عمّق فجوة الثقة بين ما تعلنه الهيئة من مبادئ وما يُطبّق فعليًا على الأرض. كما أن توسّع الاقتصاد الموازي خارج الجهاز المصرفي الرسمي استقطب جزءاً، غير قليل، من السيولة بعيداً عن مجال تغطية الرقابة الشرعية، ما أضعف قدرة الهيئة، بالتعاون مع البنك المركزي، على إعادة دمج هذه الأنشطة في قنوات مالية منضبطة.

رابعاً: على مستوى التحوّل التقني والرقابة على المنتجات الرقمية، يظهر تحدٍّ من نوعٍ مختلف؛ فالأدوات الفقهية التي صيغت في «المراشد الفقهية» منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة ركّزت على الصيغ التمويلية التقليدية، ولم تُحدَّث بما يكفي لمواكبة الطفرات التقنية في بطاقات الدفع ونقاط البيع والمحافظ الإلكترونية والتمويل عبر التطبيقات. هذا جعل عدداً من البنوك الإسلامية يطلق منتجات رقمية استناداً إلى اجتهادات داخلية، كإصدار بطاقات مصرفية بصيغ إسلامية، أو تقديم تمويل عبر الهاتف المحمول، قبل أن تصدر أدلّة شرعية مركزية تفصيلية من الهيئة العليا. في بعض الحالات، تدخّل البنك المركزي لاحقًا بتعاميم لتقييد بعض المعاملات الإلكترونية أو تعليقها إلى حين اتضاح الموقف الشرعي والتنظيمي.

بهذا، تحوّل دور الهيئة في مجال التكنولوجيا المالية من دور الإجازة المسبقة إلى دور التصحيح اللاحق؛ فبدل أن تُراجَع العقود الرقمية قبل تعميمها، أصبحت تُصحّح بعد ظهور الإشكالات، وفي ضوء شكاوى أو ملاحظات ميدانية. يتناقض ذلك مع طبيعة الرقابة الشرعية التي يُفترض فيها أن تكون وقائية؛ إذ إنّ أي فراغ تنظيمي في مجال المعاملات الإلكترونية يمكن أن يؤدي إلى تراكم عدد كبير من العقود خلال فترة قصيرة، ثم يجد النظام الرقابي نفسه أمام ضرورة مراجعتها بأثر رجعي. وقد أقرّت بعض الوثائق الرسمية بندرة المتخصصين في النوازل التقنية داخل الهيئة، ما أبطأ التعامل مع ملفات المدفوعات الإلكترونية والعملات الرقمية، وترك البنوك حائرة بين مخاطر الإقدام والجمود.

خامساً: من زاوية القدرات المؤسسية والموارد البشرية وآليات المتابعة، تبدو القيود أكثر وضوحًا. فعلى الرغم من أن قانون 1993 منح الهيئة شخصية اعتبارية، فإن ميزانيتها لا تزال مرتبطة ببنك السودان، ما يحد من قدرتها على التخطيط المستقل واستقطاب الكفاءات وتمويل البحوث والدورات المتخصصة. وتشير الدراسات والتقارير إلى أن الكادر المتوفر يغلب عليه التكوين الفقهي التقليدي، مع ندرة في الكفاءات ذات الخلفية المزدوجة في الفقه والاقتصاد والمالية، الأمر الذي ينعكس على طبيعة الفتاوى التي قد تكون دقيقة من الناحية الشرعية لكنها تحتاج إلى جهد كبير لتحويلها إلى أدوات تشغيلية قابلة للتطبيق في بيئة مصرفية معقّدة.

إلى جانب ذلك، تعاني الهيئة من ضعف برامج التدريب المستمر، وقلة المشاركة المنتظمة في المحافل الدولية المعنية بالمخاطر الشرعية والتقنيات المالية والامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ما يجعلها أقل قدرة على مواكبة التطورات العالمية في حوكمة الصيرفة الإسلامية كما أسهمت هجرة بعض الكفاءات الشابة إلى مؤسسات مالية إقليمية ودولية في تقليص قاعدة الخبرات المتاحة، وجعل العبء الأكبر في صناعة القرار الشرعي التنفيذي يقع على عاتق عدد محدود من الأعضاء، وهو ما يفسّر بطء إصدار بعض الفتاوى وتفاوت سرعة الاستجابة للمتغيرات.

أما من حيث المتابعة والتنفيذ، فتعتمد الهيئة بدرجة كبيرة على تقارير تُرفع من البنوك عبر قنوات البنك المركزي، وعلى زيارات تفتيشية محدودة تقوم بها إدارات الرقابة المصرفية، مع ندرة الزيارات الميدانية المباشرة من الهيئة نفسها، وتركّز العمل في العاصمة على حساب الولايات كما أن غياب قاعدة بيانات مركزية بالعقود والمنتجات والفتاوى المطبّقة، يضعف القدرة على قياس درجة الالتزام بدقة، ويجعل التقارير السنوية أقرب إلى الوصف العام منها إلى التقارير التحليلية المقارنة. ويؤدي هذا الوضع إلى نتيجة مزدوجة: فمن جهة، تميل بعض البنوك إلى التعامل مع قرارات الهيئة باعتبارها «قابلة للتفاوض» إلى أن تصدر تعميمات صارمة أو يُجرى تفتيش ميداني؛ ومن جهة أخرى، يتشكّل لدى العملاء والمستثمرين انطباعٌ بأن الانضباط الشرعي يتفاوت من بنك لآخر، وأن الرقابة المركزية لا تصل إلى مستوى الدقة المطلوبة في بيئة مالية معقّدة.

في المحصلة، تُظهر هذه القراءة أن التحدي الرئيس الذي تواجهه الهيئة العليا للرقابة الشرعية في السودان لا يكمن في نقص النصوص وحده، ولا في ضعف البنية المؤسسية وحدها، ولا في ضغوط الواقع الاقتصادي وحدها، بل في التفاعل المعقّد بين هذه العناصر كلها؛ تفاعلٌ يجعل الفتوى الشرعية قوية على الورق، لكنها هشّة في مسار التنفيذ، ويجعل التجربة السودانية تبدو — في نظر بعض التقارير الدولية — رائدة من حيث الفكرة، ضعيفة من حيث الانضباط والتناغم مع المعايير الحديثة لحوكمة الصيرفة الإسلامية.

الخاتمة:

تكشف التجربة السودانية في الرقابة الشرعية المصرفية عن بنيةٍ مركّبة تجمع بين ريادة قانونية ومؤسسية مبكرة من جهة، وقيود تنفيذية وعملية متراكمة من جهة أخرى. فمن جهة أولى، نجح السودان في سنّ تشريعات تعترف بالهيئة العليا للرقابة الشرعية وتمنح قراراتها قوة الإلزام، وربط بين النظام المصرفي الرسمي والمرجعية الشرعية على مستوى القانون. ومن جهة ثانية، أدّى غياب الجزاءات التفصيلية، وتعدّد المرجعيات، واعتماد الهيئة مالياً وإدارياً على البنك المركزي، وضعف مواكبة التحوّل الرقمي، والقيود البشرية والبحثية، إلى إضعاف القدرة على ترجمة هذا الإطار المتقدّم إلى رقابة فعّالة متّسقة مع سرعة تحوّل السوق وضغوط البيئة الاقتصادية والتقنية.

أظهر التحليل أن التحديات القانونية (مثل غياب آليات العقاب وغياب تراتبية صريحة بين الفتاوى المركزية والداخلية)، والإدارية (مثل البيروقراطية وتبعية الهيئة للبنك المركزي)، والاقتصادية (مثل التضخم والاقتصاد الموازي)، والتقنية (مثل الفراغ في مجال المعاملات الرقمية)، والبشرية (مثل محدودية الكفاءات وضعف التدريب)، تؤدي مجتمعة إلى فجوة بين «الالتزام المعلن» و«الالتزام المطبّق». كما بينت الأمثلة التطبيقية — من قضايا إزالة الغبن، ومنزلة المرابحة الصورية، وتأخر ضبط التمويل بالعملات الأجنبية، وإطلاق المنتجات الرقمية قبل الإجازة المسبقة — أن هذه الفجوة ليست افتراضية، بل لها آثار ملموسة على ثقة العملاء والمستثمرين وعلى سمعة التجربة السودانية في التقارير الدولية.

وعليه، فإن أي مشروع إصلاحي جاد لتعزيز دور الهيئة العليا لا بد أن ينظر إلى هذه التحديات في إطار تكاملي، لا في صورة مشكلات متناثرة؛ بحيث يُعاد النظر في الإطار القانوني لإدراج جزاءات واضحة، وتُمنح الهيئة استقلالاً مالياً وإدارياً أكبر، وتُطوَّر بنيتها التقنية باتجاه الرقابة الذكية واللحظية، ويُستثمر في بناء الكفاءات البحثية والشرعية–الاقتصادية المتخصصة، ويُعزَّز التنسيق مع القضاء ومؤسسات الدولة الأخرى. من دون ذلك، ستظل التجربة السودانية مثالاً غنياً في التنظير القانوني للرقابة الشرعية، لكنه محدود الأثر في التطبيق العملي والقدرة على تقديم نموذج مكتمل يمكن أن يُحتذى به في العالم الإسلامي.

المراجع:

  1. بنك السودان المركزي. (1984). منشور بنك السودان لسنة 1984 بشأن أسلمة النظام المصرفي. الخرطوم، السودان.
  2. بنك السودان المركزي. (1991). قانون تنظيم العمل المصرفي لسنة 1991. الخرطوم، السودان.
  3. قانون الهيئة العليا للرقابة الشرعية. (1993). قانون الهيئة العليا للرقابة الشرعية على المصارف والمؤسسات المالية. الخرطوم، السودان.
  4. بنك السودان المركزي. (2012). السياسات المصرفية لعام 2012. الخرطوم، السودان.
  5. بنك السودان المركزي. (2017). التقرير السنوي للعام 2017. الخرطوم، السودان.
  6. الهيئة العليا للرقابة الشرعية. (2006). المراشد الفقهية للصيغ التمويلية. الخرطوم، السودان.
  7. عبد السلام، محمد الأمين. (2019). دراسات في الرقابة الشرعية على المصارف الإسلامية في السودان. الخرطوم، السودان.
  8. الهيئة العليا للرقابة الشرعية. (2008). فتاوى الهيئة العليا للرقابة الشرعية – الجزء الثاني. الخرطوم، السودان.
  9. بنك السودان المركزي. (2016). التقرير السنوي للعام 2016. الخرطوم، السودان.
  10. مجمع الفقه الإسلامي وهيئات الرقابة الشرعية في السودان. (2020). تقارير مشتركة حول الرقابة الشرعية وتجارب البنوك الإسلامية في السودان. الخرطوم، السودان.
  11. بنك فيصل الإسلامي السوداني. (2019). التقرير السنوي للعام 2019. الخرطوم، السودان.
  12. بوفاسة، محمد، & خليل، محمود. (2017). حوكمة المصارف الإسلامية والتحديات التطبيقية. الجزائر: دار المعرفة.
  13. عبد السلام، محمد الأمين. (2019). الرقابة الشرعية والجهاز القضائي في السودان: تحديات التطبيق. الخرطوم، السودان.
  14. بنك السودان المركزي. (2018). منشور بنك السودان بشأن الضوابط الشرعية للتمويل المصرفي. الخرطوم، السودان.
  15. بنك السودان المركزي. (2020). التقرير السنوي للالتزام الشرعي للمصارف الإسلامية. الخرطوم، السودان.
  16. مجمع الفقه الإسلامي وهيئات الرقابة الشرعية. (2020). تقييم مخرجات الرقابة الشرعية في السودان وانعكاساتها على ثقة المتعاملين. الخرطوم، السودان.
  17. Elhalaby, S., & Hussainey, K. (2023). Shariah governance and Islamic banking in Sudan. Journal of Islamic Accounting and Business Research.
  18. World Bank. (2019). Agriculture Finance Diagnostic: Sudan.Washington, DC: World Bank Group.

19. International Monetary Fund (IMF). (2017). Country Report on Sudan’s Islamic Banking Experience. Washing

اترك تعليقاً